ابو المظفر الاسفرايني

13

التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين

[ مفتتح الكتاب ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله أجمعين وأصحابه البررة الطاهرين اعلموا أسعدكم اللّه : أن اللّه تبارك وتعالى أمر عبده بمعرفته في ذاته وصفاته ، وعدله وحكمته وكماله في صفته ، ونفوذ مشيئته ، وكمال مملكته ، وعموم قدرته ، ولا تتكامل المعرفة بذلك كله إلا بنفي النقائص عنه ، وبإثبات أوصاف الكمال له من غير أن يشوبه شيء من بدع المبتدعين ، وإلحاد الملحدين وكان أمره تعالى متضمنا لأمرين : المعرفة بما أوجب معرفته ، والإحاطة بما أوجب عليه مجانبته حتى إذا اجتمع له الوصفان تحقق له وصف الإيمان على سبيل الاتقان والإيقان ، والمفارقة لما يوسوس لكثير منهم من الشبه وحبائل الشيطان فيكون إيمانه كما أخبر اللّه تعالى به عن إيمان خليل الرحمن حين قال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ « 1 » . أثنى عليه لهذه المعرفة لجمعه بين المعرفة بكمال أوصافه وميله عن كل معبود يخالفه في وصفه فوصفه أي اللّه تعالى الخليل بكونه حنيفا أي مائلا عن عبادة الأوثان وحبائل الشيطان وما يخالفه من الطرق والأديان . وبمثله أقر رسوله المصطفى عليه السلام حين قال : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ « 2 » . وقال : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ « 3 » فأمره بالمعرفة ومغادرة كل دين يخالفه في حقيقته ، وأمره أن يخبر عن نفسه بصفة معرفته الجامعة لوصفى النفي ومعرفة ما يجب معرفته ، ومجانبة ما تجب مجانبته فقال : قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ « 4 » . وأمر سبحانه الكافة بكلمة الإيمان لا إله إلا اللّه جمع فيها بين النفي والإثبات ، وقدم النفي على الإثبات ليعلم أن الإثبات لا يحصل إلا بصيانته عن كل ما يتضمن مخالفته ، وهكذا جمع في سورة الإخلاص بين النفي والإثبات فوصف نفسه بأوصاف الكمال في قوله : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ « 5 » ونفى عن نفسه النقصان

--> ( 1 ) سورة الأنعام 79 و 159 . ( 2 ) سورة الأنعام 79 و 159 . ( 3 ) سورة محمد 19 . ( 4 ) سورة الأنعام 161 . ( 5 ) سورة الإخلاص .